يُرافق تطور رياضة المستويات العليا البحث في تقنيات حديثة عبر مجالات متعددة. وخاصة في العقد الأخير، تم التأكيد على أهمية عمليات ضبط التدريب والمنافسة. ولإجراء هذه القياسات، تم اللجوء إلى كل من المتغيرات المسماة بالخارجية (الأزمنة، المسافات، السرعات، القوة المبذولة...)، والمتغيرات المسماة بالداخلية (معدل ضربات القلب، تركيز اللاكتات في الدم، ضغط الدم، استهلاك الأكسجين عند مختلف الشدات...).

نعرض في هذه المقالة مراجعة لأبرز التقنيات الأكثر استخداماً حالياً في مجالات تطوير وضبط التدريب والمنافسة.

نعرف التدريب الرياضي بانه هو عملية تكيف تدريجية وإن كانت غير خطية، تهدف إلى رفع احتمالات تحسين الأداء الرياضي الى اقصى حد، وذلك عبر التوزيع المتتابع لأحمال العمل وفترات الاستشفاء.

ونُعرّف «حمل التدريب» بأنه مُثير أو مجموعة مثيرات ذات طبيعة مختلفة تطبق أثناء عملية التدريب وتُجهد جهازاً أو عدة أجهزة حيوية في الجسم، مما يخل بتوازنها الداخلي.

📊 تصنيف أحمال التدريب

ويمكن تصنيف أحمال التدريب حسب طبيعتها، واتجاهها، وحجمها:

  • طبيعة الحمل: تعتمد على الدور الذي يؤديه في الدورة الصغرى (Microcycle)، والمتوسطة (Mesocycle)، والكبرى (Macrocycle)، ومن الشائع التمييز بين أحمال التدريب وأحمال المنافسة.

  • اتجاه الحمل: يشير إلى القدرات البدنية والأنظمة والأعضاء التي يتأثر بها الحمل.

  • حجم الحمل (المقدار): يتحدد بالحجم الإجمالي، والشدة، وكثافة الحمل.

عموماً، يُمارس ضبط حمل التدريب على مقداره؛ حيث يُفهم «الحجم» على أنه البعد الكمي له (كم؟)، و«الشدة» هي البعد النوعي (كم من ماذا؟)، و«الكثافة» هي العلاقة بين الجهد والراحة.

وبالنظر إلى أن القياسات التي تجرى في بيئات تدريبية وتنافسية، يجب أن تتوفر في الأدوات المستخدمة شروط معينة:

  1. إمكانية تطبيقها في تلك السياقات لتقديم بيانات أقرب لواقع الرياضي.

  2. الحساسية لتغيرات الحمل، والخصوصية للنوع الرياضي المحدد.

  3. تقديم معلومات فورية وسهلة التفسير لتعديل الأحمال إذا لزم الأمر.

⚙️ أبرز أدوات ضبط أحمال التدريب والمنافسة

نستعرض بإيجاز في هذا الجزء الأدوات الأكثر شيوعاً لضبط أحمال التدريب والمنافسة في بيئة الأداء الرياضي.

🫀 أجهزة قياس نبضات القلب

يُعد معدل ضربات القلب أحد أكثر المؤشرات الفسيولوجية استخداماً لقياس وتعديل شدة التدريب، ويُوصى بمراقبته خاصة في فترات الحمل الزائد أو الإجهاد المفرط، والأبحاث حول هذا المؤشر ليست حاسمة وتُظهر نتائج متضاربة أحياناً، ويرجع ذلك على الأرجح لاختلاف تصاميم الدراسات وأوقات التعرض للأحمال.

انتشرت هذه الأجهزة بشكل واسع نظراً لوجود علاقة طردية بين النبض وشدة الجهد. تقيس الأجهزة معدل النبض باكتشاف الموجة النبضية (حساس للمتغيرات الكهربائية للقلب مع عداد زمني) وتتكون الأجهزة من: مرسل بقطبين كهربائيين يوضع على الصدر حول منطقة القلب، وجهاز استقبال به معالج يدمج الإشارات الكهربائية مع الزمن وتأتي حالياً مصحوبة برمجيات حاسوبية قوية تتيح معالجة إشارة القلب المسجلة لتحليل شدة الحصص التدريبية بدقة.

🛰️ أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS)

يتيح دمج قياس نبضات القلب مع موقع الرياضي وسرعته ومقدار الانحدار أو الصعود أثناء بذل الجهد في رياضات التحمل كالجري، حيث ترتبط السرعة مباشرة باستهلاك الأكسجين واقتصادية الجهد وتكتسب أهمية خاصة في الرياضات التي يصعب فيها الحصول على قياسات موضوعية وموثوقة (التزلج، سباقات التوجيه، التجديف في المياه المفتوحة، ركوب الأمواج الشراعي، الطيران الشراعي، تسلق الجبال، إلخ).

المواصفات المطلوبة لجهاز GPS دقيق:

  • 9 قنوات على الأقل وسعة ذاكرة عالية لحفظ المسار والسرعة والمسافة.

  • تسجيل نقطة موقع كل ثانية.

  • واجهة لتفريغ البيانات إلى الحاسوب، وقابلية الاتصال بمستقبل تفاضلي وهوائي خارجي لزيادة الدقة، مع صغر الحجم وخفة الوزن.

تُدمج أجهزة الـ GPS حالياً مع حساسات مناخية (مقياس حرارة، بارومتر للضغط)، وطبية حيوية (نبض، تحليل غازات)، وميكانيكية (مستشعرات تسارع، وجيروسكوب) لتعزيز التحليل الشامل.

💨 أجهزة تحليل الغازات المحمولة

يُعد الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين أحد أبرز مؤشرات الأداء، خصوصاً في الرياضات التحملية. وهو يمثل أقصى كمية أكسجين يستطيع الجسم استهلاكها في وحدة زمنية. يُفضل استخدام القيمة النسبية لوزن الجسم للمقارنة بين الرياضيين.

ولدراسة حركية الغازات واستهلاك الأكسجين وإنتاج ثاني أكسيد الكربون في البيئة الحقيقية للرياضي، تستخدم أجهزة تحليل محمولة، التي تتيح الحركة بحرية على ميدان الممارسة وتطبيق بروتوكولات جهد مخصصة وعرض النتائج على شاشات الحاسوب مباشرة، وبات دمجها شائعاً مع الـ GPS في الرياضات الهوائية الخارجية.

🩸 أجهزة تحليل اللاكتات المحمولة

تُستخدم للتقييم الأيضي للجهد، وتحديداً استخراج تركيز حمض اللاكتيك في الدم لحساب «العتبة اللاهوائية» وهي نقطة التحول بين العمليات الهوائية واللاهوائية، والتي يبدأ عندها تراكم الحمض محدثاً حُماضاً أيضياً يقلل الأداء بشكل حاد.

أصبحت الأجهزة المحمولة اليوم صغيرة الحجم، منخفضة التكلفة، وبسيطة الاستخدام حيث تكفي ملامسة شريط الاختبار لقطرة دم من طرف الإصبع أو شحمة الأذن لمدة 3 ثوانٍ لإعطاء قراءة دقيقة في غضون 15 ثانية كحد أقصى.

🏔️ أجهزة توليد نقص الأكسجين- الهايبوكسيا- (Hypoxia)

تحاكي ظروف التدريب في المرتفعات (تغيرات دموية، قلبية وعائية، عصبية، وغدية) دون الحاجة للسفر الفعلي. تُعرف باسم «أنظمة الهايبوكسيا الاصطناعية» وهي غير محظورة من الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات (WADA). وأكثرها انتشاراً هي خيام الارتفاع القادرة على محاكاة ارتفاعات تصل إلى 6,500 متر.

📳 المنصات الاهتزازية

بدأ استخدامها في الستينيات مع رواد الفضاء، ثم أُدخلت للمجال الرياضي في الثمانينيات بواسطة مدربين روس. تعتمد على إرسال اهتزازات ميكانيكية بترددات تتراوح بين 20 و100 هرتز، وتؤثر على المغازل العضلية والمسارات الشوكية والقشرية العصبية. ولا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث حول التردد والمدى وزمن التعرض المثاليين لمختلف الرياضيين.

⚡ أجهزة التنبيه الكهربائي

تستخدم تياراً كهربائياً خارجياً معدلاً لتحفيز جهد فعل وانقباض عضلي. انطلقت لأهداف علاجية وتأهيلية، واصبحت وسيلة فعالة لتطوير القوة العضلية لدى رياضيي النخبة إذا استخدمت بشكل سليم، مع الحذر عند ضبط شدة وتردد التيار لتفادي الحروق أو الصدمات الضارة.

📌 خاتمة

يتضح جلياً أن الدعم التكنولوجي صار اليوم عنصراً لا غنى عنه لتطوير رياضة المستويات العليا. إن التطور المتسارع لأنظمة التحكم والمراقبة للتدريب والمنافسة، مدفوعاً بانخفاض التكاليف المادية، يتيح نشر واستخدام هذه الأجهزة على نطاق واسع. وما كان يبدو قبل عقد من الزمن كمشاهد من أفلام الخيال العلمي، أصبح الان واقعاً ملموساً في الميدان الرياضي، بل وتخطى التوقعات بمراحل.